مرجع المختصرقانون المسطرة الجنائية - للدكتورة السعدية مجيدي

 مرجع المختصرقانون المسطرة الجنائية 
للدكتورة السعدية مجيدي


أولا: التعريف بقانون المسطرة الجنائية

يشكل قانون المسطرة الجنائية الإطار الإجرائي العام الذي يضمن تدخل أجهزة العدالة الجنائية من أجل التثبت من ارتكاب الجرائم وضبط مرتكبيها، وتحريك الدعاوى العمومية في حقهم ومحاكمتهم، ثم تنفيذ المقررات القضائية الصادرة في حقهم، فهو القانون المعني بتحديد صلاحيات الجهات المكلفة بالبحث والتحري عن الجرائم ممثلة في الشرطة القضائية بصنفيها سواء التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني أو التابعة للقيادة العليا للدرك الملكي، فضلا عن صلاحيات سلطتي الاتهام والتحقيق. كما أن هذا القانون يحدد الإجراءات التي يتعين اتباعها خلال المحاكمة أمام القضاء الزجري ابتداء من إحالة المتهم على أول جلسة وإلى غاية استصدار الحكم أو القرار القضائي الابتدائي وممارسة طرق الطعن بشأنه وتنفيذه بعد اكتسابه قوة الشيء المقضي به.

    يعد قانون المسطرة الجنائية قانونا شكليا بامتياز لأنه يهتم بتحديد الشكليات والإجراءات الواجب اتبعاها من أجل تنفيذ نصوص القانون الجنائي ذو الطبيعة الموضوعية، ولأن الغاية الأساسية من إقرار المتابعات وتحريك الدعاوى العمومية تبقى هي تنظيم حق الدولة في العقاب من الناحية الشكلية.

ومع التسليم بسلامة وصف قانون المسطرة الجنائية بالقانون الشكلي في إطار تمييزه عن قوانين الموضوع فالملاحظ أن التعديلات التشريعية المتلاحقة التي عرفها هذا القانون منذ تاريخ صدوره تتجه إلى تضمينه بعض القواعد الموضوعية، والتي غالبا ما تكون موضوع تدخل القوانين الجنائية أو الجزائية على اختلاف تسمياتها، ومن هذه المقتضيات تلك التي تجرم وتعاقب على بعض الأعمال ( فعل امتناع) سواء أثناء سير الدعوى العمومية أو خلال مرحلة المحاكمة ، وهو ما حدا بالبعض إلى القول بالطبيعة المختلطة لقواعد قانون المسطرة الجنائية.

    من المهم التأكيد على أن تحديد طبيعة القاعدة الجنائية من حيث تصنيفها إلى قاعدة جنائية موضوعية أو إلى قاعدة شكلية لا يرتبط بمكان ورودها في التشريع فليس ضروريا أن كل قاعدة واردة في القانون الجنائي هي قاعدة موضوعية وبالمقابل ليست كل قاعدة واردة في قانون المسطرة الجنائية هي قاعدة شكلية، لأن العبرة بتحديد طبيعة القاعدة ترتبط بالموضوع الذي تعالجه.

وتبقى السمة الأساسية التي تميز قواعد قانون المسطرة الجنائية عن قواعد القانون الجنائي، أن قواعدها شكلية في أغلبها، ومن أهم الآثار المترتبة عن الصبغة القانونية لقواعد قانون المسطرة الجنائية أنها تطبق بشكل فوري، ومن نتائج التطبيق الفوري لقواعد الشكل أن هذه الأخيرة لا تسري عليها قاعدة "القانون الأصلح للمتهم" ومرد ذلك إلى أن قواعد الشكل شرعت من أجل حسن سير العدالة الجنائية مع احترام قاعدة الحقوق المكتسبة طبعًا، وتتميز هذه القواعد كذلك بإمكانية التفسير خلافا لما عليه الأمر بالنسبة لقواعد الموضوع، كما أن القياس جائز في قانون الواسع المسطرة الجنائية كلما كانت تستدعيه المصلحة العليا للعدالة الجنائية ويقره العقل والمنطق السليم.

ثانيا: المضمون العلمي لقانون المسطرة الجنائية

    يقع قانون المسطرة الجنائية في خط التماس مع جميع العلوم الجنائية ولا يمكن قراءة مسار تطور هذا القانون دون الاعتراف المسبق بتأثر مضامينه بالنتائج التي تقدمها هذه العلوم سواء تعلق الأمر بالعلوم الأساسية كعلمي العقاب والإجرام، وعلم السياسة الجنائية أو تعلق الأمر بالعلوم المساعدة على تعددها وأهمها الطب الشرعي وعلم النفس الجنائي.

فالعلوم المشار إليها أعلاه تشتغل على ذات المواضيع ولذات الأهداف المرسومة للقانون الجنائي بمفهومه العام بشقيه الموضوعي والشكلي).

    وإذا كان هذا الصنف من العلوم يهتم أكثر بالبحث عن الأسباب الدافعة إلى العصيان الجنائي وتحديد رد الفعل المجتمعي المناسب له، فإن القانون الجنائي على هذا الأساس يمثل مختبر هذه العلوم، وأداة لتنفيذ مضامينها وتوجهاتها العلمية.

  فما من شك إذن أن هذه العلوم تتقاطع مع قانون المسطرة الجنائية إذ يوفر هذا المجال العلمي استنباط أنجع الآليات التي تساعد هذا القانون على ضمان حق الدولة في العقاب على النحو الأمثل.

ومن هنا تبدو أن الصلة وثيقة بين كلا الصنفين وتسمح بالاعتراف بالمرجعية العلمية لقانون المسطرة الجنائية.

ثالثا : أهمية قانون المسطرة الجنائية

   تنبع أهمية قانون المسطرة الجنائية من أهمية الموضوع الذي يختص هذا القانون بتنظيمه، حيث إنه يعنى بصون حريات الأفراد وضمان حقوقهم كما هي متعارف عليها دستوريا.

ولعل هذا المعطى هو ما يفسر إقدام بعض الباحثين على ترتيب هذا القانون في الدرجة الثانية بعد الدستور، الذي إذا كان يعنى بتحديد المبادئ الكبرى التي تؤطر علاقة المواطنين أفرادًا) وجماعات) بالمؤسسات والهيئات الوطنية، وخاصة القضائية منها والأمنية، فإن قانون المسطرة الجنائية هو المعني أساسًا بتنزيل هذه المبادئ والحقوق الدستورية، وتنظيمها، وتحديد إجراءاتها في إطار احترام الشرعية الدستورية التي من بين ما تقتضيه احترام الشرعية الإجرائية، وافتراض قرينة البراءة، وضمان الحق في الدفاع، وتنزيل معايير المحاكمة العادلة.

    ورعيا لذات الأهمية تذهب بعض الدراسات إلى وصف هذا القانون بقانون الحد من ممارسة الحقوق والحريات بالنظر لما يتضمنه من تدابير وإجراءات تمس بها، إما بشكل مباشر فتكون هذه التدابير سالبة للحرية، أو بشكل غير مباشر عندما يكون الأثر المترتب عنها التضييق من ممارستها.

فكل التدابير التي تترتب عن انطلاق مرحلة البحث والتحري عن الجرائم بدءًا من الوضع رهن الحراسة النظرية، ثم الايداع رهن الاعتقال الاحتياطي، والأمر بالمراقبة القضائية، والإيداع النهائي بالمؤسسات السجنية لتنفيذ العقوبات الحبسية أو السجنية الصادرة بالإدانة فضلا عن باقي التدابير الماسة ببعض الحقوق، كالتقاط المكالمات وضبط الحجوز، وتفتيش المنازل...، كلها (أي التدابير) تدخل ضمن الصلاحيات الماسة بالحريات والحقوق أو المقيدة لها، والتي أناطها المشرع المغربي بأجهزة العدالة الجنائية وحصر اليات وشروط تفعيلها ضمن مقتضيات هذا القانون.

    كذلك تتأكد أهمية هذا القانون إذا ما استحضرنا الدور المحوري الذي يضطلع به والمتمثل أساسا في إضفاء الروح والحركة على مضمون القوانين الجنائية إذ بدونه لا يتأتى لسلطات الدولة الحق في تسطير المتابعات وتحريك الدعاوى العمومية ولا في إثبات الجرائم ومتابعة الجناة، وتنفيذ العقوبات الصادرة في حقهم. وبالمقابل يضيع حق الضحية في جبر الضرر عبر المطالبة المدنية ومعه تغل يد الدولة في ممارسة الحق في العقاب.

رابعا : علاقة قانون المسطرة الجنائية بقوانين أخري 

1) علاقة قانون المسطرة الجنائية بالدستور

   سبقت الإشارة المقتضبة إلى العلاقة الوثيقة بين كل من قانون المسطرة الجنائية والدستور، فهي علاقة تربط الفرع بالأصل ولا يكون استنباط أحكام المسطرة الجنائية ولا تفسيرها إلا في ضوء ما قرره الدستور من مبادئ سامية تشكل في مجملها الإطار المرجعي الذي يجب أن تتغذى منه كل القوانين العادية.

إن افتراض وجود هذه العلاقة بين كلا القانونين على اختلاف درجاتهما نتيجة تترتب على ما بات يعرف بمفهوم الدسترة La constitutionnalisation»، والتي تعني أو على الأقل تقتضي إلزاما مطابقة القانون الأدنى وهو قانون المسطرة الجنائية في هذه الحالة للمقتضيات الدستورية وهنا تتحول وظيفة الدستور إلى مصدر أساسي للقاعدة الجنائية الإجرائية.

    ولا يكفي للتأكيد على مثانة هذه العلاقة افتراض مطابقة القانون الفرع للأصل، بل إنها تخضع لمراقبة المحكمة الدستورية عبر مُكْنَة الدفع بعدم دستورية القانون التي يتيحها القانون الوطني.

وعلى مستوى آخر فإن الدستور الذي ينص على الحقوق والحريات يخرج أحيانا عن وظيفته الاعتيادية، وهي الإعلان عن الحقوق والحريات، ليحدد الضمانات الكفيلة لممارستها بحماية هذه الحريات، ولذلك تتضمن مجمل الدساتير ومنها الدستور المغربي الإشارة إلى تجريم بعض الأفعال دون تحديد الشق العقابي الذي يحيل بشأنه على القانون 

     الجنائي أو تحديد شروط وإجراءات الاستفادة من بعض الحقوق التي تكون في الأصل مجال تدخل قانون المسطرة الجنائية.

ومن الأمثلة البارزة على هذه المقتضيات نشير إلى مضمون الفصل 22 من الدستور الذي ينص على أنه لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة، وأن ممارسة التعذيب بجميع أشكاله ومن قبل أي أحد جريمة يعاقب عليها القانون.

    كما تضمن الفصل 23 نفس الإشارات باعتبار الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات، وينص على ضرورة إخبار كل شخص تم اعتقاله على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، من بينها حقه في التزام الصمت، وبحقه في الاستفادة  من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه كما نص على ذلك القانون، وتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية وبظروف اعتقال إنسانية. ويتيح له من الإستفادة لبرامج للتكوين وإعادة التأهيل.

2) علاقة قانون المسطرة الجنائية بمجموعة القانون الجنائي

    ما من شك أن علاقة قانون المسطرة الجنائية بمجموعة القانون الجنائي علاقة وثيقة وإن جاز لنا وصفها فهي علاقة تبعية، لأن قواعد المسطرة الجنائية تعد "تابعة" أو هي من قواعد الوسيلة ومؤدى ذلك أنه لا يفترض أن تؤدي هذه القواعد وظيفتها إلا بافتراض وجود نوع آخر من القواعد القانونية التي تعتبر بالنسبة لها قواعد المرجع أو قواعد الإحالة التي تكون ذات طبيعة موضوعية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فهذه القواعد المرجع المحددة للموضوع هي قواعد القانون الجنائي المضمنة في مجموعة القانون الجنائي المعمول بها حاليا منذ سنة 1962 ، أو في النصوص الجنائية الخاصة التي يغلب على طابعها الشتات ،والتفرق، وعلى هذا الأساس يطلق على قواعد قانون المسطرة الجنائية قواعد الشكل كما يطلق على قواعد القانون الجنائي قواعد الموضوع.

3) علاقة قانون المسطرة الجنائية بقانون المسطرة المدنية

   قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا توجد علاقة بين قواعد المسطرة المدنية وقواعد المسطرة الجنائية بالنظر إلى اختلاف موضوع كل منهما ، فإذا كان قانون المسطرة المدنية.
يهتم بسير الدعوى والإجراءات في القضايا المدنية بمفهومها الواسع في مقابل حصر تنظيم الإجراءات بالنسبة للقضايا الزجرية لقانون المسطرة الجنائية، فإن ذلك لا يعني القطيعة بين كلا القانونين لأنه بالرغم من خاصية "استقلال" قواعد المسطرة الجنائية" فإن المرجع الأساس بالنسبة لسير إجراءات التشكي والدعوى يبقى هو قانون المسطرة المدنية، فهي مرجع عام ولو تعلق الأمر بقضايا زجرية في المسائل التي اختص هذا القانون لوحده بتنظيمها.
    وتأكيدا على خاصية "قانون الإحالة التي تتميز بها بعض قواعد المسطرة الجنائية نجد أن المشرع المسطري فتح طرق أخرى لتبليغ الاستدعاءات والمقررات القضائية في المادة الجنائية، وذلك قصد تسريع وثيرة البت في القضايا، وتتمثل هذه الطرق في اللجوء إلى الوسائل والكيفيات المشار إليها في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية، بالإضافة للتبليغ بواسطة الأعوان القضائيين وأعوان المحاكم أو بالطريقة الإدارية.
وبالمقابل يؤكد بعض الشراح، على عدم جواز التمييز بين قواعد المسطرة المدنية باعتبارها الأصل، وقواعد المسطرة الجنائية كاستثناء يرجع إليه في حال غياب المرجع الأصل، والأصح في نظرهم أن المساطر المدنية والجنائية تنبع عن ذات المبادئ في النظرية العامة لعلم الإجراءات، وكل ما هنالك أن قانون المسطرة المدنية يضم من قواعد هذه النظرية العامة قدرًا أكبر حيث أن اللجوء إليه إنما يكون لجوء إلى قواعد الإجراءات بشكل عام لا إلى قواعد المسطرة الجنائية على وجه الخصوص.
تعليقات