بحث لنيل شهادة الإجازة في القانون الخاص تحت عنوان: المسؤولية الجنائية للأحداث

  المسؤولية الجنائية للأحداث                              

مقدمة :

مشكلة جنوح الأحداث وكيفية التصدي لها تُعتبر من بين أهم التحديات التي تشغل العالم بأسره، حيث يُعَدّ الحدث عمودًا فقريًا للمجتمع وركيزة للمستقبل، ولذا فإن جنوحهم يسبب ضررًا لهم وللمجتمع على حد سواء. تعتمد فعالية التشريعات الوطنية في مواجهة هذه المشكلة على فلسفة الإصلاح والتأهيل التي تتبناها عند تشريع القوانين المتعلقة بالشباب، ويجب أن تكون هذه التشريعات متسقة مع التطورات الحديثة في مجال السياسة الجنائية.

وظاهرة جنوح الأحداث ازدادت خطورتها في عصرنا الحالي نتيجة التقدم الحضاري والصناعي الحديث خاصة في دول العالم الثالث، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على كيان الأسرة وتماسكها، فضلا عن مشاكل أخرى كمشكل الشغل والبطالة والهجرة كلها عوامل ساهمت في هذه الوضعية، والتي هيأت فرصا جديدة لانحراف الصغار وارتفاع نسبة إجرامهم.

وهكذا فإن الجريمة والانحراف تهدد النظام الاجتماعي للمجتمع لكونها تعتدي على قيمته ومعاييره المستقرة، وبالتالي فإن انغماس عدد كبير من الأطفال في السلوك المضاد يعل جنوح الأحداث مشكلة اجتماعية، كما أن ازدياد عدد القضايا والمخالفات المحالة على المحاكم يجعل من هذه الظاهرة مشكلة قانونية وقضائية.

يُفهم من المسؤولية الجنائية للشخص الذي لم يبلغ سن الرشد القانوني، والذي ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها بالقانون أو انتهك النظام العام، أنه، وفقاً لأحكام التشريع الجنائي المغربي، يُعتبر عدم الرشد سبباً يؤثر على المسؤولية الجنائية، سواء بمنعها تماماً أو جزئياً، وهو ما يتماشى مع ما ينص عليه التشريع المقارن والتشريعات الأخرى المشابهة.

وبالرجوع إلى مقتضيات مجموعة القانون الجنائي المغربي في الفصل 138 نجد أن الحدث الذي لم يبلغ سن الثانية عشرة سنة يعتبر عديم المسؤولية جنائيا لانعدام تمييز هو إدراكه.

ينص الفصل 139 من القانون على أن الشخص الذي تجاوز سن الثانية عشرة ولكن لم يبلغ الثامنة عشرة يعتبر مسؤولاً بشكل جزئي في الجرائم نتيجة عدم تمييزه بشكل كامل، بينما يعتبر الشخص الذي بلغ سن الرشد، أي الثامنة عشرة كاملة، مسؤولاً بشكل كامل عن أفعاله.

وبناء على ما سبق يتضح بأن الحدث الذي لم يبلغ سن الثانية عشر سنة لا يعتبر مسؤولا جنائيا عن أعماله الضارة بينما يعتبر الحدث الذي أتم سن الثانية عشر ولم يبلغ سن الثامنة عشر مسؤولا مسؤولية جنائيا ناقصة.

• أهمية الموضوع ودواعي اختياره:

تبرز أهمية بالغة لموضوع المسؤولية الجنائية للأحداث نظرًا لأنه يتعلق بشريحة اجتماعية تُعَدّ ركيزة أساسية للمجتمع ومفتاح لمستقبله، ومن ثم فإنه يجذب اهتمامًا متزايدًا، سواء في سياق التطورات التقنية والمبادرات الدولية، أو في إطار التحديات التي تواجهها بلادنا في مجال حماية الطفولة وتعزيز حقوقها.

و أهمية هذا الموضوع لا تكمن فقط فيما يثيره من أطروحات فكرية و نظريات مختلفة شغلت بال عديد الفقهاء في علم الطفولة الجانحة و التي من ضمنها مدى ضرورة وجود نظام جنائي مستقل للأحداث، و إنما تكمن أيضا في محاولة استقصاء مختلف التنظيرات الخاصة بحقوق الحدث و آليات و مناهج حمايتها في ضوء اجتهاد الفقه والقضاء و التشريع الوطني و المقارن و الاتجاهات المعبر عنها في الصكوك الدولية لاسيما و هـي المصـادر المتعارف عليها في مجال البحث القانوني.

وعلى إثر هذه الأهمية البالغة التي ينالها هذا الموضوع، والذي وقع اختيارنا على البحث حول موضوع بعنوان " المسؤولية الجنائية للأحداث " و ذلك من أجل البحث و تعميق الدراسة حوله بقدرالإمكان والجهد المستطاع.

• صعوبة البحث :

تتمثل صعوبة البحث في عدم وجود الوقت الكافـي، بحيث أن عمل الدراسة يحتاج إلى التروي والتدقيـق بشكل جيد، وكذلك ما يخص المراجع صعوبة الحصول على المراجع مع العلم أن الفقه المغربي والباحتين اهتموا بدراسة موضوع جنوح الأحداث، لكن هذا لم يكن سدا مانعا حتى يحول دون تحقيق مبتغانا، بحيث ما كانت هذه الصعوبات والعراقيل تزيدنا إلا إصرارا وعنادا على إنجازه.

• أسباب اختيار الموضوع 

هناك جملة من الأسباب التي دفعتني إلى اختيار الحدث الجانح وواقع العقوبات والتدابير الوقائية الصادرة في حقه كموضوع بحث، ومن هذه الأسباب هناك:

- كون الأحداث يشكلون الشريحة الهشة والضعيفة بالمجتمع، خصوصا وأن ظاهرة الجنوح في أوساط هذه الفئة الصاعدة تتفاقم سنة على سنة، إذ لا يخفى أن هناك جرائم يرتكبها الأحداث، ولم تصل إلى المحكمة لعدة أسباب منها: عدم التبليغ عنهم بدافع الشفقة أو تسوية القضية بين عائلات الجناة والمجني عليهم.
- إن الحدث المنحرف اليوم قد يكون المجرم البالغ غدا، إذا لم توضع له برامج الوقاية والعلاج قصد إصلاحه وتأهيله، فانحراف الكبار هو امتداد لانحراف الصغار في الأصل
- قلة الدراسات التي تناولت موضوع الجنوح من ناحية تقييم مدى استفادة الجانحين من خدمات وأساليب الدعاية الموجودة بمراكز إعادة التربية من حيث إسهامها في استعادة توافق الحدث النفسي، العقلي، الوجداني والاجتماعي.
- تقييم جهود مراكز الحماية والإصلاح والتهذيب في بلادنا في تأديتها لدورها الوقائي والإدماجي تجاه الشباب المنحرفين، بالإضافة إلى التأكد من توفر الموارد المادية والكوادر البشرية المتخصصة اللازمة لهذه الغايات.

• إشكالية الموضوع:

فإذا كانت الاتفاقيات الدولية قد وضعت قواعد وأسس فلسفية للتعامل مع مشكلة الأحداث المنحرفين في احترام تام لحقوقهم وخصوصياتهم العمرية والجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية وقبلها الفقه الإسلامي والمدارس الفكرية - فإلى أي حد استطاع المشرع المغربي أن يسن سياسة جنائية ملائمة ومواكبة لتوجهات الفلسفة الإصلاحية الحديثة بخصوص حماية ورعاية الحدث الجانح ؟

• خطة البحث :

ولكي نقف على تفاصيل هذا الموضوع بشكل أدق، ارتأينا إلى تقسيم محتوياته على الشكل الآتي:
         المبحث الأول: الأساس القانوني للمسؤولية الجنائية للحدث.
         المبحث الثاني: القواعد المسطرية و التدابير المتخذة لمساءلة الحدث.
         
تعليقات