بحث لنيل دبلوم الماسترفي القانون العام تحت عنوان : إشكالية التدبيرالمالي و دور أجهزة المراقبة

بحث لنيل الماستر تحت عنوان :

 إشكالية التدبيرالمالي و دور أجهزة المراقبة



مقدمة :

تعتبر الجهوية المتقدمة من الركائز المهمة التي جاء بها دستور 2011، حيث يعد التنظيم الترابي للمملكة تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة، ومنح الجهات الاستقلال علي المستوي الإداري والمالي والحرية في تدبير شؤونها الديمقراطية، كما أوكل لها عدة صلاحيات أخري جديدة.، ونتيجة لذلك أصبح مسلسل اللامركزية بالمغرب خيارا لا رجعة فيه لترسيخ مفهوم الديمقراطية التشاركية وإرساء دولة الحق والقانون، والتي من أبرز مظاهرها الرقابة والملاءمة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويرتكز النظام الدستوري للمملكة المغربية، حسب ما جاءت به مقتضيات الفصل 1 من دستور2011، على أساس الفصل بين السلط وكلك تعاونها وتوازنها، وعلى مبدأ الحكامة الجيدة، ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 والحكامة الجيدة في معناها العام هي اتخاذ القرار بشكل جماعي، بغية الوصول إلى قرارات مقبولة من طرف الأغلبية، من خلال الإدارة الأمثل للبنيات والهياكل والموارد، وما يمكن بلوغه في مجال التدبير، على أساس معايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.

وتعتبر الجماعات الترابية أهم تجسيد للامركزية بهذا المعنى، وهي تتكون حسب الفصل 135 من دستور 2011، من الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، وتعد هذه الجماعات الترابية وحدات داخلة في حكم القانون العام تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتتوفر على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها بطريقة ديمقراطية.

كما يعد النظام المالي الترابي من بين أهم المجالات التي أولاها دستور 2011 أهمية كبرى باعتبار المكانة التي يحتلها هذا المجال في كل السياسات العمومية، فهو الأداة التي تنفذ بـه هـذه السياسات، ويسعى من خلاله إلى توسيع سلطة الوحدات الترابية في تدبير القضايا التنموية.

فمن خلال المقتضيات الدستورية المنظمة للشؤون العامة الترابية الإدارية منها والمالية، نلاحظ أن المشرع قد أسس لفلسفة جديدة في تدبير شؤون هذه الجماعات، قوامها الحرية في التدبير، ومراعاة قدراتها المالية، إضافة إلي تبني النصوص التشريعية  لمجموعة من الآليات التدبيرية الجديدة التي تهم عملية إعداد الميزانية".

ونظرا للمكانة التي تتبوؤها المالية الترابية، باعتبارها آلية مهمة لتنزيل السياسات والمشاريع التنموية على أرض الواقع، فقد تعالت الأصوات في بلادنا من أجل تبني مقاربة حديثة، تتوخى البعدين التدبيري والحكماتي، وتجاوز الإشكالات التي كان يطرحها التدبير السابق، وإصلاح نظام المراقبة المالية لنفقات وإيرادات الجماعات الترابية، لتحقيق النجاعة والكفاءة والأداء.

فضلاعن ذلك، يعد الجانب المالي عنصرا محوريا في تدبير الشأن العام الترابي خاصة مع تزايد الاختصاصات المسندة للجماعات الترابية في مختلف المجالات، وتنامي احتياجات المواطنين ومتطلباتهم من الخدمات والمرافق الأساسية، الأمر الذي يفرض على الجماعات الترابية العمل أكثر على تعبئة كل الموارد المالية المتوفرة بما يمكنها من الوفاء بالتزاماتها التنموية.

علما بأن الإصلاحات التي عرفها المجال المالي للجماعات الترابية، منذ تبني النظـام اللامركزي سنة 1960 إلى حدود المرحلة الراهنة، ومرورا بكل المحطات الإصلاحية المتنوعة التي همت التدبير المالي بصفة عامة، تشمل بشكل مباشر وثيقة الميزانية، لأنها الآلية التي نقيس بها درجة نجاعة تدبيرها وفعالية نتائجها.

فبعد إتمام إصدار جميع النصوص التطبيقية مع متم سنة 2017 وفي إطار تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري ، عرف التدبير المالي للجماعات الترابية عدة مستجدات همت على الخصوص سن نظام المحاسبة العمومية للجماعات الترابية واعتماد نموذج جديد لتبويب الميزانية، كما أن ميزانية الجماعات الترابية باعتبارها أداة للتدبير المالي، فهي أداة برمجة مالية للمشاريع التنموية ووسلية تنزيل المخططات المبرمجة، مما يجعلها ركنا أساسيا من أركان تجسيد الاستقلال المالي اللازم أو الموازي للشخصية المعنوية والاستقلال الإداري.

ولعل من أهم موارد الجماعات الترابية، بعد الجبايات المحلية ومدخول الممتلكات وحصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة، نجد التحويلات المالية المرصودة من طرف الدولة على شكل إمدادات و إعانات ومنح والتي من خلالها تعتبر الدولة مساهم رئيسي- في مالية الجماعات الترابية.

ومن أهم المسائل المستحدثة في مجال المالية المحلية نجد أن هناك مداخيل بديلة لتعزيز الموارد بالإضافة إلى إمكانية اللجوء للاقتراض. وفي مواجهة هذه التطورات، من الضروري تواجد إدارة عقلانية وفعالة لمالية الجماعات الترابية، فقد ارتبط الاستقلال المالي بمدى المراقبة الممارسة من طرف السلطات المختصة على التسيير المالي للهيئة الترابية.

وإذا كان المشرع قد إعترف للجماعات الترابية بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي في تدبير شؤونها، وزودها بالوسائل القانونية والمالية والتدبيرية لأداء دورها، نجد في المقابل إتخاذ الدولة لعدة أنماط وآليات للرقابة على مالية الجماعات الترابية، لضمان الوقاية من الأخطاء والانحرافات وتصحيح الأداء في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالتقابل بين الاستقلال المالي للجماعات الترابية والرقابة المفروضة عليهـا يجـد أساسه في قياس درجة الرقابة وتدخل السلطات المركزية في مراقبة النشاط المالي المحلي أو التأشير عليه أو حتى توجيهه، فكلما إزدادت إكراهات الرقابة وتقل تدخلها وتأثيرها في التدبير المالي للجماعات الترابية كلما تقلصت درجة استقلالها المالي الفعلي والواقعي وبقيت رهينـة التوجيهات المركزية الإدارية والمالية. وبغية الحفاظ على المال العام وجب وجود رقابة تواكب جميع مراحل الميزانية من: إعداد؛ اعتماد؛ تنفيذ؛ ثم الرقابة على سلامة الخطة المالية للجماعات الترابية إيرادا وإنفاقا.

هذا ويمكن تعريف نظام الرقابة على الجماعات الترابية بالمغرب بكونه يعبر عن "مجموع الأنماط والعمليات الرقابية الممارسة على الجماعات الترابية بواسطة جهات وأجهزة ومؤسسات متخصصة أو غير متخصصة ذات طبيعة إدارية أو سياسية أو قضائية قصد ضبط وتقويم المنتخبين والأجهزة المنتخبة، وإرساء المشروعية والملاءمة والجودة والحكامة في تصرفاتها امتناعا وفعلا، وذلك من أجل تحقيق تلك الجماعات الترابية للأهداف التي أحدثت . من أجلها كما هو مطلوب منها ".

ومن حيث التعريف يمكن تقسيم الرقابة إلى رقابة شكلية ورقابة موضوعية، ويقصد بالرقابة الشكلية مراجعة الدفاتر والمستندات والحسابات بكل أشكالها، وذلك بهدف معرفة مدى صحة ومطابقة ما جاء فيها من أمور الجباية والصرف. فالرقابة الشكلية الهدف منها التأكد من عدم تجاوز البنود المالية والحسابية مع ما يتماشى وتطبيق القوانين واللوائح. أما الرقابة الموضوعية فمعناها تحديد وكشف الأخطاء الحسابية، وذلك عن طريق مراجعة الحسابات والأرقام بدقة.

فضرورة توافر نظام رقايي فعال يضمن توافق التنفيذ مع ما سبق التخطيط له على أن تتضمن عملية الرقابة مراجعة مستمرة لطرق الإنجاز، مع تطوير مفهوم الرقابة المستندية إلى الرقابة التقييمية للبحث عن مدى تحقيق أهداف الميزانية المحلية. 

استنادا إلى ذلك، "فالشفافية" كأهم مبادئ الحكامة الجيدة وأحد الشروط والمقومات الأساسية "للتنمية الشاملة والمستدامة" تساعد على تحسين الأداء الإداري والمالي للجماعات الترابية وعلى جذب الاستثمارات ومعالجة الروتين والفساد وتعزيز الدور الرقابي للهيئات والأجهزة المختصة وللمجتمع، هذا إلى جانب تعزيز القدرة على "المساءلة" و"المحاسبة"، بمعنى ربط المسؤولية بالمحاسبة.

أهمية الموضوع:

إن اهتمامنا بموضوع اشكالية التدبير المالي الترابي ودور أجهزة المراقبة، ينطلق من عدة اعتبارات خاصة وموضوعية:

- الرغبة الشخصية الملحة في فهم ما يحبل به المجال المالي الترابي من مساطر قانونية وإشكالات وتداخل المؤسسات والأنظمة الرقابية؛

- الاهتمام المتزايد بالمالية الترابية الناتج عن توسيع اختصاصات الجماعات الترابية؛

- محاولة الإسهام العلمي في إغناء البحوث والدراسات المتعلقة بالتدبير المالي للجماعات الترابية وواقع المراقبة؛

- سعينا لتشخيص واقع التدبير المالي على المستوى الترابي؛

- تسليط الضوء على بعض جوانب القصور في الأداء الرقابي لبعض الهيئات المكلفة بمراقبة مالية الجماعات الترابية.

تحديد إشكالية الموضوع:

انطلاقا من الأهمية البالغة التي تكتسيها الأدوات المالية في التنظيم الترابي وفي حياة المجالس الترابية، تقتضي اختبارها على محك الواقع للوقوف على مواطن القوة ومكامن الضعف فيها على ضوء التجربة المعاشة، وفي أفق التوجه نحو تعزيز نهج اللامركزية الإدارية وتثبيت ضوابطها وآليات ميكانيزماتها العملية بما يخدم متطلبات التنمية المحلية، ويستجيب للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجارية والمنتظرة على المدى المنظور وعلى المدى المتوسط والبعيد، ارتأينا الانطلاق من الإشكالية الرئيسية لهذا الموضوع من خلال طرح تساؤل عام مفاده:

إلى أي حد ساهم التدبير المالي للجماعات الترابية في تفعيل دور المراقبة ؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية تساؤلات متعددة أهمها:

• ما هي الاختلالات التي يعرفها التدبير المالي الترابي؟

• هل يكفي التنصيص القانوني على الاستقلال المالي لبلوغه ؟

• ماهي أجهزة الرقابة القانونية على مالية الجماعات الترابية ؟

• ما مدى ملاءمة الرقابة على مالية الجماعات الترابية في ضوء القوانين التنظيمية؟

المناهج المعتمدة:

نظرا لأهمية البحث من الناحية العملية والنظرية فقد اعتمدنا على جملة من الأدوات المنهجية في تحليله قصد الإحاطة بمختلف جوانب الموضوع، حيث اعتمدنا على مناهج البحث العلمي المتمثلة بالأساس في:.

المنهج الوصفي التحليلي رغبة في التعرف على النظام المالي للجماعات الترابية بشكل بارز و معمق يسهل على القارئ استيعابه والاستفادة منه؛.

وقد أدرجنا المنهج الوظيفي الذي يسمح لنا بالتعرف على مختلف آليات الرقابة على التدبير المالي الترابي؛.

وتكمن أسباب الاعتماد على المنهج النقدي، في النقد الذي وجهناه إلى الجماعات الترابية والهيئات الرقابية وذلك لكونها تعاني من الكثير من العيوب والنقائص.

هيكلة الدراسة:

ارتأينا تقسيم الموضوع إلى فصلين لكي يتسنى لنا الإلمام قدر الإمكان بمختلف جوانب البحث موضوع الدراسة، وهي على الشكل التالي:

الفصل الأول: الاستقلال المالي للجماعات الترابية.
الفصل الثاني: آليات مراقبة التدبير المالي للجماعات الترابية.

تعليقات