كتاب الوجيز في النظرية العامة في العقود المسماة الكتاب الثاني
عقد الكراء المدني
مقدمة:
1- إذا كان البيع بمثابة قطب الرحى بالنسبة للعقود الناقلة للملكية فإن الكراء يحتل بدوره مركز الصدارة بالنسبة للعقود الواردة على منافع الأعيان ونظرا لتزايد أهمية هذا العقد في الوقت الحاضر فإننا نلاحظ أنه أصبح محط اهتمام كل من الفقه والقضاء والتشريع على حد سواء، ويرجع ذلك في اعتقادنا إلى الحساسية المفرطة التي تطبع العلاقة الرابطة بين المكرين والمكترين خصوصا في الميدان السكني حيث يعتقد كل طرف منهما على أنه أولى بالحماية من الطرف الآخر، وقد وجد الفقه المغربي في هذه المعادلة الصعبة مادته المفضلة كمحطة قانونية للدفاع عن حقوق المكتري ضد تعسفات المكري الذي غالبا ما يكون هو الطرف الأقوى في هذه العلاقة وموقف القضاء لم يكن أحسن حالا من موقف الفقه إذ أنه حاول من خلال الإجتهادات الصادرة عنه في هذا الموضوع تهدئة الأوضاع بإيجاد الحلول التوفيقية التي من شأنها التخفيف من حدة الأزمة التي تطبع علاقات الكراء السكنية في الوقت الحالي.
2- وإحساسا منه بأهمية العلاقة التعاقدية التي تجمع المكري بالمكتري فإن المشرع بدوره أظهر نوعا من الإهتمام الخاص بهذه العلاقة مدفوعا في ذلك بضغوطات وانتقادات كل من الفقه والقضاء التي ما فتئت تنادي بتعديل ومراجعة النص القانوني المطبق على عقود الكراء في الميدانين المدني والتجاري على حد سواء، وبالرجوع إلى الهرم التشريعي المطبق على عقود الكراء بالمغرب تلاحظ أن قانون الإلتزامات والعقود كان ولا يزال بمثابة النص العام المطبق على نظم الكراء بمختلف أنواعها عدا ما استثناه المشرع بمقتضى نص خاص وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تفاقمت أزمة السكنى بسبب ظروف الحرب الأمر الذي تطلب إدخال بعض الإجراءات والتعديلات الجوهرية على قانون الكراء فتأتي ذلك بمقتضى الظهير الصادر بتاريخ (1928/5/5) وبالرغم من وصفه بالقانون المؤقت آنذاك أنه استطاع أن يعمر لأزيد من نصف قرن إلى أن تمت مراجعة هذا القانون مراجعة شاملة في بداية الثمانينات بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في (1980/12/25) المعتبر حاليا بمثابة القانون الجديد المنظم لعلاقات الكراء السكنية بالمغرب.
3- وقبل تناول أحكام الكراء السكني والمهني بالدرس والتحليـل بـاعـتـبـاره النموذج الأمثل لعقود الأكرية المدنية فإننا ارتأينا التمهيد لذلك بإعطاء نبذة أولية تخص التعريف بهذا العقد (أولا) وبيان أهميته ضمن قائمة العقود المسماة (ثانيا) وفيما إذا كان الوقت قد حان لتوحيد الأنظمة التشريعية المتعلقة بعقد الكراء بالمغرب (ثالثا).
أولا: التعريف بعقد الكراء وبيان خصائصه
4 - بعد أن ميز المشرع المغربي في الفصل 626 (ق.ل.ع) بين إجارة الأشياء ( des Louage choses) التي هي الكراء وبين إجارة الأشخاص ( Louage des personnes ) عن الخدمة أو العمل التي يمكن أن تكون عقد عمل ( Louage de service ) أو عقد مقاولة( Louage d'ouvrage) فإنه انتقل إلى التعريف بعقد الكراء في الفصل الموالي (627) ق. ل. ع) الذي جاء فيه بأن « الكراء عقد بمقتضاه يمنح أحد طرفيه للآخر منفعة منقول أو عقار خلال مدة معينة في مقابل أجرة محددة يلتزم الطرف الآخر بدفعها له »
5- ومن خلال التمعن في مضمون هذا النص نلاحظ أن تعريف المشرع المغربي لعقد الكراء لا يختلف كثيرا عن التعاريف المقابلة له في ظل التشريعات العربية باستثناء بعض الفروق البسيطة التي أملتها ضرورات الصياغة التشريعية والتي تختلف من تقنين لآخر وهذه الملاحظة هي التي يمكن تسجيلها أيضا عند مقارنة نص الفصل 627 (ق. ل. ع) بنص المادة 1709 مدني فرنسي التي أكدت نفس المعنى بطريقة مغايرة حيث جاء فيها :
"Le contrat de location est un accord où l'une des parties s'engage à permettre à l'autre de jouir d'une chose pour une durée déterminée, moyennant quoi cette dernière s'engage à verser un prix convenu à la première."
فبدل استعمال إجارة الأشياء استعمل المشرع عقد الكراء وبدل التركيز على مصطلح الشيء كمحل عام لعقد الإجارة نلاحظ أن المشرع المغربي قد بين مضمون هذا اللفظ بكونه منقولا أو عقارا وهي في مجملها توضيحات ليست من الأهمية بمكان بحيث يمكن الإستغناء عنها دون تغير في المعنى.
6 - وفي مقابل هذه التعريفات ذات الطابع التشريعي فإن هناك منظورا آخر لعقد الكراء ذو طابع فقهي حاول جمع عناصر هذا العقد في أقل قدر ممكن من المصطلحات للإستدلال عليه الأمر الذي قد يحتاج أحيانا إلى بذل الكثير من الجهد.
قصد الوقوف على المعنى الحقيقي الذي قصده هذا الفقه من ذلك مثلا قول ابن قدامة صاحب العمدة بأن « الإجارة عقد على المنافع أما المرداوي فقد عرف الإجارة بأنها « عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو عمل معلوم وهناك بعض التعريفات الأخرى التي عقدت الإجارة أكثر من التعريف بها من ذلك ما قاله ابن عرفه من أنها منفعة مالا يمكن نقله بيع غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض ناشئ عنها بعضه يتبعض تبعيضا » وعندما واجهه بعض تلامذته بوجود الغموض والتكرار المنافي للإختصار توقف يومين وهو يتضرع إلى الله لفهم مصطلح بعضه الوارد في التعريف فأجاب في اليوم الموالي بأنه لو أسقطها لخرج النكاح المجعول صداقه منفعة.
خلاصة القول أن الإجارة في الفقه الإسلامي لها مفهوم أعم من الكراء إلا أنهما غالبا ما يشتركان في نفس الأحكام لورود هما على نفس المنافع وإن تعددت مظاهرهما لا فرق في ذلك بين الحالات التي يكون فيها موضوع الإجارة عملا أو إنجاز صنعة أو الإستفادة من منافع شيء ما سواء كان عقارا أو منقولا أو حيوانا.
7- ومن خلال التعاريف الفقهية والتشريعية لعقد الكراء المشار إليها سابقا يتبين لنا أن هذا العقد يتميز بجملة من الخصائص المهمة نذكر منها ما يلي:
( أ ) انه عقد علزم لجانبين:
8- يعتبر الكراء من العقود الملزمة لجانبين الأول هو المكري والثاني هو المكتري بحيث يلتزم كل منهما إزاء الآخر بالتزامات متقابلة يترتب على الإخلال بها نتائج قانونية في غاية الأهمية وكون الكراء المدني من العقود التبادلية يعني أن هذا العقد لا يخول للطرف المكتري إلا حقا شخصيا على العين المكتراة بحيث لا يجوز رهن هذا الحق أو التنازل عنه للغير إلا بموافقة المكري.
(ب) أنه من العقود الواردة على منافع الأعيان:
9 - باعتبار أن المنفعة هي مناط عقد الكراء لذلك فإن حق المكتري يقتصر عادة على الإستفادة من منافع العين المكتراة دون تملك رقبتها التي تبقى من حق المالك وحده وذلك ما لم يتم الإتفاق على خلاف ذلك.
ونظرا لارتباط عقد الكراء بمنفعة الشيء دون تملك رقبته فإن المنطق يفرض أن يكون هذا الشيء قابلا للإستعمال المتكرر سواء كان عقارا أو منقولا حيوانا أو جمادا أما إذا كان من المنتجات والسلع التي تستهلك بالإستعمال فلا يمكن أن تكون موضوعا للكراء لانقضاء منافعها بمجرد استهلاكها .
(ج) أنه من العقود الرضائية:
10- وفقا لنص الفصل 628 (ق.ل.ع) فإن الأصل في عقود الكراء المدنية هو حصولها بالتراضي على الشيء المكري والأجرة وباقي العناصر التي يعتبرها الطرفان أساسية في عقد الكراء دون ضرورة للتقيد بأي إجراء آخر شكلي، إلا أن هناك الكثير من الإستثناءات التي تطلب فيها المشرع احترام بعض الشكليات لأجل الإعتداد بعقد الكراء أو الإحتجاج به إزاء الغير كما هو الأمر بالنسبة لعقود أكرية العقارات التي تتجاوز مدتها سنة واحدة حيث تطلب المشرع ضرورة تحريرها بالكتابة وإلا اعتبر الكراء غير محدد المدة ولا يجوز الإحتجاج به إزاء الغير إلا إذا سجل وفقا لما يقضي به القانون.
(د) أنه من عقود المدة:
11- ينتمي الكراء لفصيلة العقود الزمنية التي تستلزم الإتفاق على مدة معينة في حدود ما يقضي به القانون، وإذا كان الحد الأدنى لهذه المدة لا يثير أي مشكلة قانونية بمقدور الأطراف تخفيض هذه المدة إلى حدودها الدنيا كالساعة أواليوم أوالأسبوع مثلا كما هو الشأن بالنسبة للكراء الفندقي أو كراء السيارات لأجل محدد فإن الأمرعلى خلاف ذلك بالنسبة للحد الأقصى لعقد الكراء الذي يتعين فيه الا يتجاور بعض الحدود المتعارف عليها في أنواع خاصة من عقود الأكرية.
12- غير أن هذه التحديدات السابقة لا تلزم الأطراف المتعاقدة بضرورة التقيد بها، إذ يمكن الإتفاق على إبرام الكراء لمدة غير محددة ويعتبر العقد آنذاك مبرما على أساس سنة أو نصف العام أو شهرأو أسبوع أو يوم وهذا ما إذا كانت الأجرة قد تعينت باعتبار كذا في عام أو نصف العام أو شهرإلي غيرذلك من المدد.
ثانيا: أهمية عقد الكراء المدني ضمن قائمة العقود المسماة
13 - بعد أن كان الكراء كغيره من العقود المدنية الأخرى يتوقف كليا في تحديده على إرادات الأطراف المتعاقدة في إطار مبدأ سلطان الإرادة فإن الوضع قد تغير الآن بفعل التطورات الإجتماعية والإقتصادية التي عرفتها المجتمعات المعاصرة نتيجة للضائقة السكنية التي أفرزتها الحروب الكونية وما خلفته من أزمات حادة أثرت بشكل سلبي على قانون العرض والطلب الذي يحكم مــيــدان الإيجار الأمر الذي دفع بالهيآت الحكومية إلى اعادة النظر في السياسة الكرائية بوجه عام والبحث عن حلول مرضية للمعادلة الشائكة التي تربط المكري بالمكتري على وجه الخصوص، فما هو البعد الإجتماعي والقانوني لهذه السياسة الكرائية بالمغرب؟
( أ ) البعد الاجتماعي لعقد الكراء المدني:
14- يعتبر الحق في السكنى من أهم الأبعاد الإجتماعية لعقد الكراء المدني، ونتيجة لأهمية هذا الحق فإننا أصبحنا نشاهد ونسمع الكثير من الأصوات التي تنادي بضرورة الإعتراف للمواطن بحقه الطبيعي في استحقاق السكنى وأنه يتعين على الدولة ضمان هذا الحق كما هو الأمر بالنسبة للحق في الشغل والتمدرس والصحة مثلا.
غير أن الواقع يؤكد عكس هذا الإفتراض، فالدعم الذي كان يتلقاه القطاع السكني بالمغرب أصبح في تناقص مستمر وأن استثمارات الخواص المنجزة في هذا الميدان لا تبعث على الإرتياح فبالرغم من وفرة المنتوج العقاري المعروض للكراء أو البيع إلا أن الإمكانيات الفردية للمواطنين أصبحت لا تقوى على تحمل تكاليف المعيشة مضافا إليها أعباء الكراء بسبب تفشي ظاهرة البطالة أو ضعف الدخل ونتيجة لتخلي الدولة عن دعم قطاع السكن الإقتصادي الذي كان يخفف نسبيا من حدة الأزمة السكنية فإننا نلاحظ أن الإستثمارات العقارية اتخذت منحى آخر جديد يتمثل في تشييد العمارات المتوسطة أو الفاخرة الجودة الشيء الذي حرم فئة عريضة من المجتمع من الحصول على سكن لائق ومحترم، الأمر الذي تسبب بدوره في تفشي ظاهرة مدن الصفيح كنتيجة منطقية للهجرة والنزوح الجماعي للسكان من البوادي إلى المدن، وقد ساهمت هذه الوضعية في تعقيد الحياة الإجتماعية لهذه الفئة من السكان ولعدم قدرتها على الكراء خلقت لنفسها أحياء هامشية في المدن لا تتوفر فيها أبسط مقومات العيش الكريم .
(ب) البعد القانوني لعقد الكراء المدني:
15- المقصود بهذا البعد هو دراسة عقد الكراء من الداخل منظورا إليه من الزوايا الثلاث الفقهية والقضائية والتشريعية وباعتبار أننا سنتناول موقف هذا الثلاثي من مادة الكراء المدني فيما سيأتي من أحكام، لذلك فضلنا التركيز في ظل هذا البعد الأولي على جملة من الملاحظات التي من شأنها أن تنير الطريق أمام القارئ لفهم الفلسفة التي بني عليها قانون الكراء المدني بصورة عامة.
ويمكن إجمال هذه الملاحظات العامة فيما يلي:
1- تذبذب قانون الكراء بين الحرية والتقييد :
16- من خلال المقارنة بين مضمون النصوص التشريعية العامة الواردة في قانون ل ع المنظمة لعقد الكراء والنصوص الخاصة التي عدلتها أو كملتها لاحقا يتبين لنا أن قانون الكراء المدني كان ولا يزال متذبذبا بين الحرية والتقييد بين مد وجزر وأخذ ورد نتيجة لتعقد العلاقة الكرائية بطبيعتها.
فبالنسبة لقانون الإلتزامات والعقود نلاحظ أنه قد ترك هذه العلاقة لمحظ إرادة المتعاقدين لا من حيث الإنشاء ولا من حيث الإنهاء وعندما تبين قصور هذا النهج بادر المشرع إلى إعادة النظر في جملة من هذه الأحكام حتى تنسجم مع الإتجاه الجديد الذي أصبح يتحكم في مسار قانون الكراء وهو ما كان موضوعا للمراجعة التشريعية بمقتضى قانوني (1928/5/5) و(1980/12/25) المتعلقين بكراء المحلات المعدة للسكنى والإستعمال المهني إذ كان الهدف من هذين الإصلاحين التشريعيين هو إيجاد الحلول القانونية للمشاكل المتعلقة بتغيير الوجيبة الكرائية وتحديد الحالات الموجبة للإفراغ والمسطرة الواجب اتباعها لتنفيذ هذا الإفراغ الأمر الذي جعل المشرع يقيد من سلطة المحكمة والأطراف المتعاقدة على حد سواء بخصوص تفسير وتحديد مضمون التعاقدات الكرائية، إلا أنه في مقابل ذلك فإن النصوص التشريعية الخاصة لازالت تحافظ على قدر كبير من الحرية خصوصا في الجانب المتعلق بتكوين هذا العقد وهذا ما ورد النص عليه صراحة في المذكرة التقديمية لمشروع قانون (1980/12/25) التي جاء فيها بأن « المشرع تبنى حرية التعاقد كخيار أساسي بين المتعاقدين نتيجة العرض والطلب ولا تتحقق حماية المكترين إلا بإيجاد مقتضيات تحد نهائيا من شطط المكرين».
2- العلاقات الكرائية بين الإستقرار والفوضى
17- باعتبار الكراء من عقود المدة فإن المفروض فيه أن يمكن المكتري من استعمال العين المكتراة إلى غاية الفترة المحددة له غير أن هذا الوضع الذي كان منصوصا عليه في الفصل 687 (ق. ل. ع) أصبح لا ينسجم مع الفلسفة العامة لنظم الكراء الجديدة التي تقضي باستتباب التوازن والإستقرار في ميدان العلاقات الكرائية سواء كانت مدنية أو تجارية، ولا يتحقق هذا الإستقرار عمليا إلا باستمرار المكتري في شغل المحل المكترى إلى غاية الفصل في موضوع إنهاء هذه العلاقة التعاقدية.