التحكيم في منازعات العقود الإدارية
الدكتور بنته فريد
أستاذ القانون العام بجامعة محمد الأول بوجدة
مقدمة عامة :
التحكيم نوعان دولي وداخلي، وهو مسطرة شكلية موازية للنظام القضائي التجاري أو الإداري، فهو نوع من القضاء أو قضاء استثنائي، ذو طبيعة خاصة، يستهدف منه تسوية المنازعات بين أطراف عقد التحكيم عن طريق إعمال وتطبيق مبدأ التسوية التوافقية يتولاه محكم (أو أكثر ) تبعا لما هو وارد في الاتفاق التحكيمي، وقد يتضمن عقد التحكيم اسم المحكم وقد يترك أمر تعيينه إلى رئيس المحكمة التجارية أو الإدارية، فإذا كان أطراف العقد من أشخاص القانون الخاص ينعقد الاختصاص لتعيين المحكم إلى رئيس المحكمة التجارية، وإذا كان العقد التحكيمي من العقود الإدارية فإن الاختصاص ينعقد لرئيس المحكمة الإدارية ذات الاختصاص.
إن كل خلاف في تأويل أو تنفيذ مقتضيات العقد التحكيمي، قد ينتهي إما بإبرام اتفاق هو بمثابة صلح بين الأطراف المتنازعة، أو بإصدار حكم تحكيمي يكون قابلا للتنفيذ عند تذييله بالصيغة التنفيذية، ومسطرة إلزامية تذييله ليكون نافذا هو ما يجعل منه نوع من القضاء.
إن التحكيم إما اختياري، أو إجباري، لكن أساسه اتفاقي، يخضع لإرادة الأطراف المتعاقدة، شريطة أن لا يكون موضوع التعاقد من القضايا المرتبطة بالنظام العام، أو بالقضايا التي تكون الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية طرفا فيها، كما كان مقرر في أحكام المسطرة المدنية في الفصول من 306 إلى 327، والتي تم نسخها وتعويضها بمقتضيات القانون رقمك 05-08 المؤرخ في 30 نونبر 2007، والتي ، من المنتظر أن تكون في شكل مدونة للتحكيم، لكن نظر المشرع اقتضت السياسة التشريعية إدماجها في صلب قانون المسطرة المدنية محتفظا بذلك على النهج الذي سار عليه مشرع 28 شتنبر 1974 عند سنه لقانون م.م.
إن الظاهر من مقتضيات ق.م. م لسنة 1974 في بابها الثامن، أنها لم تنظم التحكيم الدولي ولم تقرر بجواز التحكيم بالنسبة للنزاعات المتعلقة بعقود أو أموال خاضعة لنظام يحكمه القانون العام (الفصل 306 من ق.م.م).
لكن بالمقابل فالمغرب وقع على العديد من الاتفاقيات الدولية لتسوية منازعات الاستثمار بين الدولة وأشخاص القانون الخاص، وهو قبول ضمني بتسوية منازعات العقود الدولية عن طريق مسطرة التحكيم، وهذا ما تأكد من خلال صدور العديد الأحكام القضائية عن القضاء المغربي ضد الدولة المغربية أو بعض مؤسساتها تقضي بصحة تذييل المقررات التحكيمية لتكون قابلة للتنفيذ بالمغرب.
كما أنه يجدر بنا التذكير أن القانون المغربي لم يعرف العقد وهو الأمر الذي تولاه الاجتهاد القضائي والفقه، على عكس القانون الفرنسي الذي عرفه بأنه «اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر بإعطاء أو بعمل شيء أو الامتناع عمل معين».
فإذا كان المشرع المغربي لم يأخذ بمسطرة التحكيم بالنسبة للعقود الدولية صراحة، وكذا بالنسبة للعقود الإدارية، فإن التحولات السياسية والاقتصادية الدولية أثرت على السياسة التشريعية للمغرب أمام الانفتاح والترابط القائم بين الاقتصاد المغربي والاقتصاد العالمي في ظل نظام « العولمة » الذي طبعته حركة دائبة لرؤوس الأموال عن طريق الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، والمستثمرون الأجانب كثيرا ما انتقدوا سير عمل المحاكم المغربية، وأحيانا شككوا في مصداقية بعض الأحكام، الأمر الذي كان لزما على المشرع المغربي أن يرجع سياسته في بابا التحكيم لسببين (1) تزايد منازعات العقود الدولية وهذا ما يتطلب إيجاد قانون ينظم التحكيم الدولي 2) أمام سياسة الانفتاح والخوصصة وسياسة الاستثمار المبنية على إشراك القطاع الخاص لإدارة المشروعات العامة، حتم أيضا ضرورة توسيع التحكيم بالنسبة للعقود الإدارية وهذا ما أقره القانون رقم 05-08 الصادر بتاريخ 90 نونبر 2007 الذي نظم التحكيم والوساطة الاتفاقية ناسخا بذلك مقتضيات ق. م . م (بداّ من الفصل 306 إلى 327).
وعليه فإن المشرع قد انتقل من موقف عدم إخضاع العقود الإدارية لمسطرة التحكيم، إلى القول بجوازها، سنحاول رصد وتتبع الحركية التشريعية والقضائية المرتبطة بالعقود الإدارية والمسطرية للتحكيم بعد أن كانت محظورة في ق.م.م لما اعتبرت أنها مساس بالنظام العام، والانتقال إلى العمل بها في ظل القانون 05-08.
سنتولى الموضوع وفقا للمنهجية التالية:
I - العقود الإدارية:
1) التعريف بالعقود الإدارية
2) أنواع العقود الإدارية
3) طرق إبرام العقود الإدارية
II - التحكيم في منازعات العقود الإدارية:
1) - التعريف بالتحكيم.
2) - التحكيم في العقود الإدارية في القانون المقارن
3) - التحكيم في العقود الإدارية في القانون المغربي.
I - العقود الإدارية :
العقود الإدارية تكيف بأنها اتفاق يبرم بين أشخاص القانون العام، أو بين شخص من أشخاص القانون العام وشخص من أشخاص القانون الخاص، معنويا أو ذاتيا، لكن ليس بالضرورة أن تكون في شكل عقود القانون الخاص رغم وجود الإدارة طرفا فيها، ولذلك فعقود الإدارة لا تخضع لنظام قانوني واحد، إنما تنقسم إلى:
- عقود الإدارة التي يحكمها القانون الخاص.
وعقود الإدارة التي يحكمها القانون العام، والمسماة بالعقود الإدارية، والتي هـي موضوع مساهمتنا، بالإضافة إلى بيان مدى قانونية أو جواز إخضاعه لمسطرة التحكيم من عدمها.
إن منازعات العقود الإدارية تدخل في اختصاص القضاء الإداري طبقا للمادة 8 من القانون رقم 90/41 ولا تدرج ضمن صلاحيات المحاكم التجارية إلا إذا أبرم العقد في إطار القانون الخاص، فمثلا تزويد جماعة ترابية بمادة البنزين لتأمين سير مصالحها لمدة محددة، يشكل عقد توريد وهو عقد إداري بطبيعته لخصائصه الذاتية، ولكونه يساهم في تسيير مرفق عمومي، وهذا حتى ولئن كانت قيمة عقد التوريد تقل عن مائة ألف درهم، على عكس عقد الكراء المبرم بين أملاك الدولة الخاص واحد الخواص لاستغلال مزرعة، يعتبر عقدا خاصا ينعقد الاختصاص للبث في النزاع المترتب عنه للقضاء العادي وبالتالي عدم اختصاص المحكمة الإدارية.
1) في تعريف العقود الإدارية:
تعرف العقود الإدارية بأنها اتفاقات رضائية، تبرم بين أشخاص القانون العام الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية) أو بين أشخاص القانون العام وشخص من أشخاص القانون الخاص، الغاية منها تسيير مرفق عام أو تنظيمه يهدف تحقق مصلحة عامة، وغير مألوفة في القانون الخاص، ولقد اعتبر الفقه والقضاء أن مقومات العقود الإدارية تتجلى في قيام شروط ثلاث وهي:
1) أن يكون أحد طرفيها شخصا معنويا عاما.
2) أن تستهدف تحقيق مصلحة من خلال تسيير أو تنظيم مرفق عام.
3) استعمال الإدارة لوسائل استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص وهذه المقاربة الشمولية وازنت بين المعيار المادي والمعيار العضوي في تعريف العقد الإداري، وهو الاتجاه الذي سارت عليه المحاكم الإدارية والمجلس الأعلى في تكييفهما وتعريفهما للعقود الإدارية. وبالنسبة للشرط الثالث، وهو الخصائص الاستثنائية أو غير المألوفة في القانون الخاص كما يقول الفقه الإداري تتجلى صورها في ممارسة الإدارة لحق الرقابة والتوجيه حق تعديل العقد، وحق توقيع الجزاءات وحق إنهاء العقد، لكن شريطة مراعاة حقوق الطرف المتعاقد معه. علما أن العقود الإدارية يراد منها تحقيق المنفعة العامة، كإدارة أحد المرافق العامة أو توريد سلعة أو خدمة معينة أو تنفيذ أحد الإشغال العامة، أو نقل للبضائع والأفراد وإقراض الأموال وبصفة عامة فالعقود الإدارية تبدو بأنها من الأعمال القانونية الصادرة عن الأطراف المتعاقدة تتضمن حقوقا وواجبات عن طريق تقابل إرادتين. ولتحديد أن العقد إداري يستند إلى معيارين أساسيين وهما 1) المعيار التشريعي، الذي يعتبر العقد إداري بقوة القانون كعقود الصفقات العامة (صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات)، واعتبر القضاء الإداري أن الصفقات العمومية هي عقود إدارية بحكم القانون وفي موضوع آخر قرر بأن العقود التي تبرمها وزارة الأوقاف في إطار المرفق الذي تضطلع بتسييره وتنظيمه في إطار رحلات الحجج للمواطنين المغاربة، فإنه يرجع اختصاص البث في النزاعات الناشئة عن هذه العقود للمحاكم الإدارية.
ولقد نص المجلس الأعلى في إحدى قراراته صراحة أنه «لا يكفي لقيام العقد الإداري أن يكون أحد أطرافه شخصا معنويا عاما وأن يتضمن العقد شروطا ومقتضيات غير مألوفة في القانون العادي بل يتعين أن يتوفر شرط ثالث وهو أن يتعلق ». وعليه فإن العقود الإدارية تحدد بأنها عقود إدارية إبرام العقد بتسيير مرفق عمومي بالاستناد إلى الاعتماد القانوني أو المعيار القضائي.
2) أنواع العقود الإدارية:
إن العقود التي توقعها الإدارة أو مؤسساتها تنقسم إلى عقود القانون العام، وعقود القانون الخاص، فعقود القانون العام تحكمها مقتضيات القانون الإداري كفرع من فروع القانون العام، وهي ما تكيف بأنها عقودا إدارية، أما عقود القانون الخاص فتنظمها أحكام القانون الخاص (المدني أو التجاري) وهي بمثابة عقود مدنية، دستورها، العقد شريعة المتعاقدين.
إذا كان هذا هو ما تكون عليه العقود بصفة عامة، فإنه بالنسبة للعقود الإدارية، فإن معيار التمييز بينهما يقسمها إلى عقود إدارية بطبيعتها، أو كما جانب من الفقه العقود الإدارية بتحديد القضاء ، والعقود الإدارية بقوة القانون أو نص القانون ويصفها الفقهاء بالعقود الإدارية المسماة Contrats administratifs nommés) وأهمها: 1/ عقد الامتياز أو الالتزام La concession de Services publics)، 2/ عقد الأشغال العامة (Le marché de travaux publics 3 عقد التوريد ( Le marché de fourniture) 4/ عقد النقل (Le marché de transport) 5/ عقد القرض العام ( Le contrat d'emprunt public) 6 عقد إيجار الخدمات Contrat de louage de services) وينضاف إلى هذه العقود، عقد التدبير المفوض Gestion déléguée والذي بموجبه تسند الإدارة تسيير الإدارة أحد مرافقها إلى الغير، والذي يكيف بأنه عقد إداري، يخضع لمقتضيات قانون التدبير المفوض رقم 05-54.
3) طرق إبرام العقود الإدارية:
تخضع مسطرة إبرام العقود الإدارية إلى شروط حددها القانون، لأن الإدارة ليس لها الحرية المطلقة في التعاقد وفقا للكيفية المقررة في القانون الخاص، بل قيدها المشرع وحدد طريقة إبرام العقود الإدارية من أجل تحقيق غايتين:
1- تحقيق وفر مالي لفائدة خزينة الدولة عن طريق اختيار المتعاقد الذي يقدم أحسن العروض المالية .
2- اختيار أكفأ المتعاقدين بصرف النظر عن الجانب المالي، علما أن مساطر أو طرق إبرام العقود الإدارية تتم بإحدى الطرق التالية:
- طلب العروض، وهو يكون إما مفتوحا أو محدودا أو يكون عن طريق الانتفاء المسبق
- المباراة،
- المسطرة التفاوضية،
- سندات الطلب
ولن تكون الصفقات أو العقود الإدارية نافذة إلا بعد المصادقة عليها من طرف سلطة الوصاية أو السلطة المختصة وفقا للكيفية أو الشروط المقررة في القانون الواجب التطبيق، ولقد اعتبر القضاء الإداري أن عمليات البناء لفائدة شخص من أشخاص القانون العام في نطاق تعهد بالاتفاق المباشر هي صورة من صور عقود الصفقات تكتسي بحكم طبيعتها عقودا إدارية .
للإطلاع علي المقال كاملا يمكنكم تحميله عبر الضغط علي موضوع : التحكيم في منازعات العقود الإدارية